ابن قيم الجوزية

307

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

لا ينافي كراهته لهذا الضد . فنقول للسائل : قعودهم مبغوض له ، ولكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه . أحدهما : أكره له من الآخر . لأنه أعظم مفسدة . فإن قعودهم مكروه له ، وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه . ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه . فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى . فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه . فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ، ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين . فتأمل هذا الموضع . فإن قلت : فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه ، وهو الذي خرج عليه المؤمنون ؟ . قلت : قد تقدم الجواب مثل هذا السؤال مرارا . وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله . وعند غير أهله . فاللّه أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله . وليس كل محل يصلح لذلك . ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته . فإن قلت : وعلى ذلك فهو جعل المحال كلها صالحة . قلت : يأباه كمال ربوبية وملكه ، وظهور آثار السماء وصفاته في الخلق والأمر وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له . فإنه يجب أن يذكر ويشكر ويطاع ويوحّد ويعبد ، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه بين استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان . وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم وإظهار قدر أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله . وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه ، وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه ، وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ، ولو تناهوا في العلم والمعرفة . إلى الإحاطة بها . ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر . قول الله تعالى ذكره : * ( 9 : 103 وصل عليهم إن صلاتك سكن